عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

23

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

الباب الأول في معرفة الله تبارك وتعالى اعلم يا بنى أنه لا شئ قط مما هو كائن أو معدوم أو يمكن أن يكون لم يصر معلوما للخلق كذاته تعالى . وأنت في معرفة ذات الخالق عاجز ، إذ ليس للمعرفة إليها سبيل ، وكل ما عداها صار معروفا ، وأنت تكون عارفا لله عندما تكون غير معروف ، ومثل المعرفة كمثل المنقوش ، والعارف كالنقاش ، فما لم يكن في المنقوش قبول للنقش ، لا يستطيع نقاش أن ينقش عليه . ألا ترى أن الشمع لما كان أكثر قبولا للنقش من الحجر ، تعمل منه الأختام ولا تعمل من الحجر ؟ فعليه يكون في كل معرفة قبول للعرفان وذات الخالق غير قابلة للمعرفة ، فتفكر في نفسك ولا تفكر في ذاته . انظر إلى المصنوع واعرف الصانع ، واحذر أن يضلك التلبث في المعرفة طريق الصانع ؛ لأن كل تلبث من الزمان ، والزمان منقض ، وللمنقضى بداية ونهاية ، وهذه الدنيا التي تراها مغلقة لا تضيق بوثاقها ، وتيقن أن وثاقها لا يبقى غير محلول ، وتفكر في آلاء الخالق ونعمائه ، ولا تفكر في ذاته ، وهل أضل ممن ينشد الطريق حيث لا طريق ؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذاته ) . ولولا أن الخالق - على لسان صاحب الشرع - قد منح العباد الجرأة لما كان لأحد أن يجترئ على الكلام في معرفة الطريق إلى الله تعالى . اعلم أنه بكل اسم وبكل صفة تدعو الله إنما يكون ذلك على موجب عجزك وقصورك لا على موجب ألوهيته وربوبيته . إنك لا تستطيع الثناء على الله كما ينبغي له ، فإذا كنت لا تستطيع الثناء عليه كما يليق به ، فكيف تستطيع معرفة ذاته ؟ إذا أردت حقيقة التوحيد فاعلم أن كل شئ في المجاز هو الحقيقة في الربوبية ، وكل من عرف الواحد الحق برئ من محض الشرك ، الواحد في الحقيقة هو الله عز وجل ، وكل ما سواه مثنى ، إذ كل شئ يكون اثنين في الصفة أو اثنين في التركيب مثل الجسم ، أو اثنين بالتفريق مثل العدد ، أو اثنين في الجمع مثل الصفات ، أو اثنين في الصورة مثل المبسوطات ، أو اثنين بالاتصال مثل الطبع والصورة ، أو اثنين في مقابلة شئ مثل الجوهر والعرض ، أو اثنين بالتولد مثل الأصل والفرع ، أو اثنين بالمكان كالمثل والشبه ، أو شيئا متولدا من جوهر شئ كالهيولى والعنصر ، أو اثنين عن طريق العدد مثل